الاثنين، 18 يوليوز، 2011

رؤية أخرى (دلال يوسف)

أمْعن ْ النظر قليلاً في الكون ، قد ترى الشمسَ والقمرَ والجبالَ و الأنهارَ والبحارَ كمالياتٌ إن شاهدتها بعين تائهٍ يبحثُ عن شيءٍ يجهله ، شيء هو ملكه لكنه لا يدركُ تلك الحقيقة .
جلسَ ذلك التائه قُربَ البحرِ الذي يعتبره صديقه الخائن ، يلعنُ الدنيا ويشتمُ الظروف ، كيف منعته مراده ؟ كيف ظلمته ؟
كيف حَلَّ بَينُها عليه ؟ وفرقتْ بينه وبين حبيبته فرأى العالمَ أسوداً كسواد قلوب بعض البشر .
زرعتْ الحياة في دربه كثيراً من النساءِ لكنه لا يريد سوى واحدة هرّبها الموت من بين ذراعيه ، نفاها عن سجنِ عينيه ، وأبقت له عدالة السماء أميرةً صغيرةً شقت غمار الحياة عبر رحم محبوبته ، لتكون نجمة في حياته 
ولكن ما تأثيرُ النجوم في حياة تائه يعتبرها كمالياتً لا تغني ولا تشبع من جوع ، ما وقع الأميرة في قلبه إن أضاع مملكته وحُرم مقاليد الحكم ، منذ جاءتْ الأميرة للحياة أنتابها صمتٌ مريبٌ مخيفٌ حتى اعتبرها الجميع خرساء ،مما زاد حنق التائه فها هي الحياة تمارس تجبرها عليه ،أصبح يمقت أميرته ويحارب كل شعور إنساني اتجاهها ،ربما لأنه كلما رائها تذكر أن يوم ميلادها كان يوم فراق من أحب ، ظلوم جهول ، وكأن الإنسان بيده حياة أو موت إنسان آخر أو أن الموت له سبب غير انتهاء الأجل .
صمتُها يطول وتكتفي كل ليلة بالنظر لوالدها الحانقِ عليها دون أن تعرف سبباً لذلك فهي جديدة على تعاليم الحياةِ القاسيةِ لم تخض بعد تفاصيلها لا تعلم ما هو الموت ما هو الفراق ، صمتٌ حيرَ التائه ففي عتمة قلبه صوت يصرخ فيه دوما ،اشتقت لسماع صوت أميرتي لاكتشاف كيميائه لمعرفة إيقاعاته لعزف نوتته في جهازي السمعي .
كما اعتادَ كل يوم أنه موعد زيارة صديقه الخائن بينما يهم بالخروج إذ بوقع خطى مسرعة تقترب منه ، في غفلة البحث عن الصوت لامس دفئاً رقيقاَ يده نظرَ فإذا بأميرته أحكمتْ قيدَ يدها الصغيرة على كفه ونظرتْ إليه مفصحة عن رغبتها بالقدوم معه كانت نظرات عيونها قوية مجلجلة اخترقت فيه الروح فلم يستطع الرفض وقبل مجبراً أن ترافقه .
جلسَ قُربَ البحر كعادته ولكن هذه المرة صَمتَ ، لان بقربه أميرة الصمت ، مضى الوقتُ والصمت يسطعُ في سمائهما حتى النظرات صامتة والروح رحلت إلى عالم الخيال والتيه ،
إلى أن اخترق جدار الصمت صوتٌ قويٌ في تلعثمه متجبرٌ في رقته حملَ في ثناياه عبارة ( أحبك أبي ) ..
أي عبارة هذه التي قتلته وأدمت روحه ، ( أحبك أبي ) مَنْ علم تلك الصغيرة الحب الذي لم يمنحها إياه يوماً من خبرها انه موجود ،كانت الدموع هي رده على عبارة لم يتوقعها أن تجتاح عالمه في لحظة غفلة 
كلماتٌ أزالتْ عن عينيه نقاب التيه وكشفتْ عن وجهه خمارَ السواد ليرى الكون من منظور آخر ليرى الشمسَ شمساً والقمر قمراً ليئد فكرة الكمالياتِ في صحاري الندم 
ليدرك أنه تائه ضاع عن قافلة الحكمة وإدراك المقصود من خلف صناعة الأقدار ليدرك أن جميع ما يحدث للإنسان من ورائه حكمة أحيانا نراها واضحة وأحيانا تبقى مجهولة الهوية 
بعد صمت العبارة وصمت الدموع وصمت الأميرة ، ألقى التائه بنفسه على حجر أميرته ضمها إليه 
أدرك أخيرا أي نعمة منحته عدالة السماء 
أخذَ منه الموتُ مُلكاً وترك له عزة وأنَفَة ولم يتركه عزيزاً ذل ، بل تركه عزيزاً ازدادَ عزةً ، عزةٌ على الأيام والهموم والصعاب 
وكتبتْ له عبارة ( أحبك أبي ) تاريخَ حياته الجديدة ،كانت ثورة للانقلاب على استعمار أعْمَلَ فيه اليأس والضياع 
كانت ثورة الحب البريء على جحود الإنسان ويأسه .

2 التعليقات:

جمييييييييييييييييييييلة

ونسج رائع جدا

أعجبني السرد والله


أسعدك الله اخي

أحمد الصعيدي
عذرا خطأ بحسابي لا يستطيع التسجيل

نظرتنا للأمور قد تكون جائرة أحيانا، ولا نكتشف الأشياء إلا بالتجربة المحضة..

تيحتي دلال

إرسال تعليق

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More