الاثنين، 15 غشت، 2011

معضلة اسمها اللغة (هاني النجار)

الكتابة هى فعل مبهم، ليس لأن خالقها مجهول، بل لأن خالقها الأصلي مستتر عن الحواس البشرية في ملكوت علوي، وعالم غيبي أدركه العقل الفقير فقط لأنه تعالى أراد لهذا العقل أن يدركه بحقيقة الإيمان، لكن تبقى القوة التي تحرك مداد القلم، ومصدر أنفاعه لمعالجة هاجس ما غامضة إلى أبعد ما تكون حدود الغموض.
فهل هى قوة علوية، يلتقطها العقل ويترجمها إلى أحرف متراصة بنفس فكرة جهازي الإرسال والاستقبال؟ أم هي عزم بشري منشؤها من العقل ذاته الذي أثبت خطأ الحواس وتربع مهيمنا على قمة الناموس الكوني؟
هل القوة الدافعة للكتابة هي فيض سماوي، نور قذفه الله في قلب وعقل المتبصر؟ أم هي علم دنيوي يُكتسب بالتعلم فيصير حرفة تعتمر على أثرها العقول بما من شأنه تحريك مدركاتها نحو ما لم يكن مُدركاً؟
أم تراها فورات عاطفية، وأحاسيس جياشة يتم ترجمتها عن طريق اللغة؟

وإذا كانت اللغة هي وسيلة الاتصال بين البشر، والحامل الشرعي للأفكار، فإنها - رغم توافر الوسط المادي الذي تنتقل خلاله – تبقى في ذاتها مُعضلة، ومشكلة المشاكل، لأن القلم حين يبدأ حبوه في صدر حياته فإنه يختار الأنماط والأطر التي يتحرك في فضائها، ولكن عندما يشب عنه الطوق، ويشتد عوده، ويعرف كيف يخطو، ثم يركض كأسرع ما يكون فإنه يقع في خطأ الحكم على حالة تقترب من البداهة مفادها أن في مرحلة ما تختارنا الموضوعات التي نكتبها ولا نختارها. أما اللغة فإنها تتحول إلى معادلة شاقة لاسيما وإن كانت هذه اللغة هي لغة الضاد الثرية أيما ثراء في فصاحتها، المتنوعة تنوعاً كارثياً بين عشرات، بل مئات اللهجات واللكنات، وعلى الكاتب أن ينتقي من هذا البحر الخضم ما يوافق رؤيته.
أن يفهم أولا ما يكتب، ولمن يكتب، ثم كيف يكتب، فأي شقاء بعد ذلك؟

إن الذين يظنون أن الكتابة لا تكلف جهداً هم أسرى للوهم الذي باض في عقولهم وأفرخ، لأن القلم في حالة ما يحتاج أقنعة بقدر عدد البدائل المطروحة وهى بحر بلا مرفأ، وبالتالي تتغير اللغة وأساليب عرضها ليس على حسب الموضوع، ولكن على حسب المتلقي، وعليه يتحول الكاتب إلى بهلوان يتشقلب ويتكور على ذاته ويتقافز بين حبائل اللغة في الوقت الذي لا يستطيع اختيار أي شيء، وكأنها ذات القوة المجهولة تحركه بخيوط خفية،
ومن هنا كان فعل الكتابة فعلاً مبهما، يحتاج دائما العودة إلى الجذور، إلى الفاعل الحقيقي لفعل الكتابة، لأن مصدر الخطورة أن تجد اللغة رفاهية الوقت للتفكير في ذاتها باعتبارها كيانا مستقلاً، فهي جوهر فعل الكتابة الغامض، ليس لأن خالقها مجهول، ولكن لأن خالقها الأصلي هو من يحرك مداد القلم على نهج منهاج لو حاولنا فهمه فإننا نكون كمن يبحث عن نفسه خلف صفحة مرآة.

2 التعليقات:

الطرح الأول الذي طرحته وهو أن الكتابة قوة غيبية هي ما وراء العقل أو نور يُقذف في قلب وعقل المتبصر هي رؤية صوفية، أو لنقل هي كوحي يُلتقط ليترجم حروفا لغوية هذا جانب قد يكون صحيحا ولكنه ليس هو الكل. لأن الكتابة هي فعل ترجمة تعتمد على اللغة كوسيلة لإيصال شيء، سواء كان هذا الشيء وحي إلهام، عاطفة أحاسيس، المهم تبقى اللغة هي قالب يحوي هذه الأشياء ويقدمها للمتلقي، ويراعي فيها درجة فهمه وبيئته وعرفه وعقيدته. وإن كانت قدرة خلق هذا القالب تتفاوت من كاتب إلى أخر على حسب قدرته في الصياغة وتمكنه من تشكيل البلاغة. لكن هناك أمر أخر آلا وهو هل يمكن للغة أن تنكمش وتضيق ولا تستطيع احتواء نوعا من العواطف أو الإيحاءات، أو بتعبير أخر هل يمكن أن يكون حجم ما يراد التعبير عنه أكبر من حجم اللغة نفسها؟ طبعا هذا جائز وممكن لهذا كانت وسيلة الاستعارة والمجاز حلا أمثل لحل هذه المعضلة.

في النهاية قد نعتبر أن الكتابة ناتجة عن دافع داخلي لممارستها، ثم تأتي مرحلة الجهد اللغوي بحيث لابد من احتيار القالب اللغوي الذي سيضم هذه الأشياء. وهنا يكمن التعب والجهد العقلي بعد الجهد الباطني المتمثل في الخاطر أو الإيحاء.

لا نحتاج لفهم جوهر الكتابة مادمنا نفهم ماذا تحمل هذه الأخيرة من مفاهيم وما تطرح من أفكار... فلكل كاتب طريقته في الاستلهام وفي زرع الحروف، لكن في النهاية نستطيع فهمه كشخص وككاتب.

يروقنى كثيرا موضوع هذه المدونة

إرسال تعليق

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More