السبت، 27 غشت، 2011

نظرات في أول سورة النحل.


من بين السور القرآنية التي أقف مشدوها ومندهشا لبلاغتها وقوة طرحها لقضايا كبرى عقدية وعلمية... كلها تتمحور حول إثبات وحدانية الأحد الصمد، فجاء خطابها متميزا وبشكل غاية في الروعة والعجب، وذلك ليدرك الإنسان المنكر للبعث والنشور والجاحد لنعمة الخالق أن كل مظاهر الحياة التي تظهر له هي من أمر الله تعالى.
سورة النحل مكية وسميت بهذا الإسم لورود ذكر اسم النحل في آية من آياتها، وقد قال القرطبي أنها تسمى كذلك بسورة النعم لكثرة ما عدّد الله فيها من نعمه على عباده. (صفوة التفاسير/ القرطبي
10/36)
ابتدأت السورة بقول الله تعالى(أَتَىٰ أَمْرُ اللَّـهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ)
وهذا إنذار بوقوع أمر الساعة وتحدٍ واضح لأولئك الذين قالوا إن محمدا يزعم أن القيامة قد اقتربت لما سمعوه من سورة القمر التي كان مطلعها: (اقتربت الساعة وانشق القمر)، فكان قوله تعالى (فلا تستعجلوه) تأكيدا على حدوث القيامة وعلى إتيان الساعة.
وإذا وقفنا قليلا عند الصيغة التي جاءت بها الآية الكريمة: ( أتى أمر الله)، نجد ما يلي:
كما نعلم جميعا أن فعل أتى هو فعل ماض. فكيف استعمل في بداية الآية مع أن الحدث لم يقع بعد؟ والقول المقدر هو: سيأتي أمر الله، لأن الشيء الذي لم يقع بعد نعبر عنه بهذا الشكل، ولكن هذا من إعجاز هذا القرآن العظيم، ثم إنه تعالى أراد أن يرد على أقوال المستهزئين من الذي يستعجلون القيامة إنكارا وجحودا منهم في كل عصر وفترة.. بأن ما تنكرونه واقع لا محالة فاستعمل فعل الماضي للزيادة في التحقق والمبالغة في تأكيد الوقوع وكأنه قد حدث. قال الرازي: لما كان واجب الوقوع لا محالة عبر عنه بالماضي «كما يقال للمستغيث: جاءك الغوث فلا تجزع». (الرازي 19/318)

(يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ)
وردت كلمة الروح في ثلاثة مواضع بمعنى جبريل؛ لكن هنا في هذه الآية جاءت بمعنى أخر مختلف تماما عن المواضع الأخرى.
(ينزل الملائكة بالروح) معلوم أن الملائكة حين تنزل بأمر الله تعالى على نبي أو رسول يكون نزولها بما يسمى الوحي، فتحرسه حتى لا يتسلل إليه جن أو شيطان، قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (الجن:
26/28)
إذن نستنتج أن الروح هنا جاءت بمعنى الوحي لانطباق مفهوم كلمة الوحي مع سياق الآية لغة ومعنى.
وقد سمي الوحي هنا بالروح «لأنه تحيا به القلوب كما تحيا بالأرواح الأبدان» (صفوة التفاسير الجزء الثاني ص: 111)

2 التعليقات:

بسم الله وبعد
بوركت أخانا في الله على طرحك الرائع
لو تمعنا في كلمات الله عز وجل في هذا القرآن نجد أن كل كلمة فيها إعجاز علمي يدل على قدرة الخالق سبحانه وتعالى

إخوانك في الله
أبو مجاهد الرنتيسي
أحلام الرنتيسي

تحية اسلامية خالصة
في نظري الماضي و الحاضر والمستقبل لا وجود له في حضرة الله عز وجل. لدلك ما نعتبره نحن مستقبلا يمكن ان يعد ماضيا في علم الله عز وجل فهو غير مقيد بالزمان و المكان و يعلم في حاضر الخلق ما يقع لهم في "مستقبلهم" لدا فلا حرج ان يقول سبحانه "اتى أمر الله فلا تستعجلوه" أي لا استعجلوا مصيركم المحتوم الدي قدره الله لكم.
و الله أعلم.
أخوكم امين الشبيهي الموقت

إرسال تعليق

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More