الجمعة، 13 يناير، 2012

المِشْكَاة

لم يغمض لها جفن، باتت تتقلب على فراشها حتى انبلج الصبح، ونفذ إلى الغرفة بصيص ضوء.
هزت رأسها مرتبكة ونهضت تلملم ما تَشَّعثَ من هندامها، وقد بدا بيتها مغبرا مبعثرا يتطلب ساعات لكنسه وتوضيبه، أما خارجه، فركام العناء ينتظرها ولا من يعين، والطفلة التي سَيعوَّل عليها وقت الشدة، ما زالت صغيرة بريئة، تستبطئ نومها وتغالب ثقل محفظة كتبها المقررة، وتتيه مع بنات الجيران بين ضيق الزقاقات للعبة الاختباء.
لعلها تتذكر سذاجة ماضيها الجميل وسط تفاصيل الدوار الغابرة؟
غير أن أنفاس الطفولة قد غابت وراء شيب بدأ يغزو ملامحها في استفزاز، وتجاعيد غائرة خطت وديانها كلوحة فنية عبثت بها أنامل طيش عنيدة.
فتحت الباب البرانى فتسلل النسيم بارداً منعشاً، و بدَا لها أن الجو صاف قد يمهلها حتى تنشر غسيلها على حبل مشدود يتوسط شجرتين وارفتين..
شمّرت عن ساعديها وشدت من مئزرها، وأسرعت إلى الإسطبل المتواري خلف الدار تريد حلب بقرتها وغلي ما أغدقت به من حليب عجنت الخبز وسقت الماء من دلو بئر قريب، ولم تنس أن تغطي القدح المملوء بكريات زبدة بلدية، أيقظت أبناءها من سباتهم، فالنهار قصير قد يدركها الموعد إن تلكأت أو تراكم عليها شقاء المنزل..
وحيدة كانت، لكنها تملأ فناء الدار بحركاتها الدؤوبة، في حين مازالت جارتها تغط في شخير عميق، فبابها مازال موارباً ولا حركة تدب في ردهة البيت، ولا أصوات لشيطنة أطفالها ومشاكساتهم..
ـ " ما للآباء لا ينظمون لأبنائهم أوقات مشاهدة التلفزة؟"
خطرت في ذهنها فكرة أن تطرق الباب لتشجعها على النهوض خشية على أبنائها من ضياع وقت الدرس، لكنها تراجعت وخافت أن تبدو فضولية إذا لم تفهمها الجارة النائمة..
كتمت غيظها وانغمست في شؤونها اللامنتهية..
كانت إذا توجهت إلى الحي، تتوارى عن أعين الفضوليين الذين ينتشرون على قارعة الإسفلت، تكاد تمرق أعينهم من محاجرها وهم يتطلعون بنظرهم إلى المارة جيئةً وذهاباً، هذا إن حال حائل دون إطلاق همزهم ولمزهم البذيء، لكنها لم تعر يوما أي اهتمام لما تسمعه أو تتلقفه صدفة من لغط وهمس، تخفض بصرها حياء وخوفا، وتلوذ بالصمت، ثم تواصل طريقها بخطوات ثابتة رصينة، وقد غطت رأسها وأدنت عليها من لباسها احتشاماً وعفة.
كانت تحمل على عاتقها هماً كبيراً، تكاد تجعله مقدسا وتحاول جاهدة تحقيقه..
تذكر حينما ولجت لأول مرة باب الجمعية..
بيدها المرتعشة ألقت السلام على أقرانها ممن أتين قبلها، سحبت إحدى الكراسي وجلست إلى الطاولة الأخيرة، خجولة ومرتبكة، كأنها تقتحم غمار تجربة لا مفر من صعوبتها، تمعنت مليا في إحدى السطور على السبورة وكيف لأنامل رقيقة أن تأخذ الطَباشير وتخط به تاريخ اليوم بسهولة، وكيف لمادة بيضاء أن تترك مسارهَا ناصعا على سواد الخشب، وكيف للألف واقفة كعمود شامخ والباء مستلقية، والجيم والحاء ملتويتا الساق أن بكونوا كلمة كاسمي مثلا!
قالت المعلمة وقد انتهت من الكتابة:
ـ" عندنا اليوم حصة القرآن الكريم ... من منكن حفظت سورة النصر؟..
أنتي آلحاجة .....يالله .... بسم الله ..."
تململت المرأة في مكانها، تنحنحت ووقفت بجلبابها الفاتح المطرز وحجابها الساطع كَبِلور، بدأت تستظهر تارة بطلاقة، وتارة تتأتئ حتى أنهت الآية.
ـ" ليس العيب أن أتعلم، العيب هو الجهل..
سوف أضمد جرح جهلي ما استطعت.."
أخذت الطبشور، وانحنت في إصرار على لوحتها تخدش حروف النور الأولى..
ابتسمت، وهي تحدق في اللوحة وتتهجى الحروف المرسومة بشوق ولهفة:
" المــ....ـشـ... ـكــا....ة ".


بقلم:  حيمد الراتي

http://www.almihlaj.net/filemanager.php?action=image&id=1865شاب مغربي من مدينة سوق الأربعاء الغرب مبدع في القصة القصيرة. مدونته: منتدى الغربة
من إبداعاته: طيف ملاكي
له مجموعة قصصية بعنوان: تنوء بحلمهم - سترى النور قريبا.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More