الأربعاء، 18 يناير، 2012

صندوق العجب..

أوثقوا إحكام دفتي البيضاء بقفل صلد، قبل أن يُدخلوني عنوة ودون سابق إنذار أو تنبيه أو مشورة، إلى غرفة باردة تتوسطها طاولة مهترئة، على جنباتها صُفت مجموعة من الكراسي على شكل نصف دائري، وبركنها الأيمن أسدلوا سواد ستار رقيق حتى لامَسَ الأرض المغبّرة.
غرفة قابعة وسط حي منسي، أغلقوا نوافذها مسبقاً لتضيء جدرانها مصابيح كهرباء قابلة للاستعمال، بعدما استبدلوا المنكسرة منها بأخرى جديدة، خِلتها لوهلة أنها غرفة بمدرسة ابتدائية مَا هجر تلامذتها إلى موعد لاحق.
حافياً كنت من أي أنيس يلقنني أبجدية الفهم، متعرياً، شفافاً، حيث لم أكن أخفي أي شيء، ترمقني خلسة أعين أعضاء المكتب كنقاط تفتيش، قرأت في مخيلتهم أنهم يوهمونني بخنق ورقي محتم، أو بإضرام نار الفتنة في أحشائي الفارغة حتى ولو لم أكن مخلوقا من طينة الحطب.
من ثقب مستطيل الحجم لا يسع إلا ظرفا عصيا على الإرسال، كنت أتنفس بتقزز روائح الطيف، حتى أصبت بغثيان الألوان رغم قلتها الفاضحة، وكولونيا النفاق التي فاحت رائحتها كل الأمكنة.
كدت أصرخ:
يا لغباوة قطاع زقاقات التاريخ، ويا لسذاجتهم.
خلال المساء، بعد فرز متوتر لجسدي الزجاجي، تحت حراسة مشددة ومتواطئة معا، قذفوا بي إلى ظهر شاحنة تراكمت بين محتوياتها أجسادا أخرى مشروخة تشبهني.
أصخت السمع لصياح أحدهم، ورذاذ السُكْر يتطاير زبدا من فمه عند مفترق العتمة الأخيرة:
ـ " تبا..، كاد صندوق العَجَب هذا أن يجعلنا في مؤخرة الترتيب.."
ثم بضربة مطرقة قوية شجّت رأسي أنصافا متناثرة، تقيأت ما في جوفي من أوراق انتخابات، ولم يعرف مصيري حتى الآن.


03 محرم1433 - 29/11/2011

بقلم:  حيمد الراتي

http://www.almihlaj.net/filemanager.php?action=image&id=1865شاب مغربي من مدينة سوق الأربعاء الغرب مبدع في القصة القصيرة. مدونته: منتدى الغربة
من إبداعاته: طيف ملاكي
له مجموعة قصصية بعنوان: تنوء بحلمهم - سترى النور قريبا.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More