الجمعة، 24 فبراير 2012

من لم يقبل على الله

من لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان.

من فضل الله تعالى علينا أنه يرزقنا بغير حساب، ويسبغ نعمه الظاهرة والباطنة ويغمرنا بها، ولا يستثني منها أحد، وإن كان كافرا أو ملحدا. أعمالنا الصالحة، عباداتنا، وقرباتنا لن توفي حق قدر نعمة مهما تضاءلت، أو كانت في حين من الأحيان تافهة في نظر من وُهبت له. النعم بشتى أنواعها وهبها الخالق الوهاب لعبده، فأوجب عليه أن يعبده حق العبادة شاكرا، ويحبه حق المحبة حامدا؛ جاء في الحديث "أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه".
لكن هل معرفة الله أو محبته تقتضي أن تكون في حال الرخاء فقط؟ أم هي واجب في الرخاء والشدة معا؟
اقتضت تركيبة البشر أن تغشاهم سحابة الغفلة، لهذا فالإنسان لا ينتبه إلى النعمة ولا يعبأ بها في حال التنعم، وما يُكلف نفسه جهد التفكُر، وعناء التدبر، وسعة التبصر أمام المنزلات الربانية والمسخرات الإلهية المتعددة لدرجة الإعجاز في إحصاء واحدة منها (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، وكلها منن ربانية قد يملكها البعض، ويعوز لها البعض الآخر، لأن حكمة الله حكمت أن يكون هناك تفاوت في الآلاء، واختلاف في المعيشة، ودرجات متفاضلة. ومن هنا كان أغلب من يعودون إلى حمى الرحمان وظل المنان ويُقبلون عليه بافتقار، هم من فقدوا نعمة من النعم كانت لهم في سابق عهد. فاقتضى وجود سبيلين للرجوع إلى الله:
إما المحبة والشكر والخضوع لصاحب العزة والجلال في الرخاء والشدة معا، ومحبته في جميع الأحوال وذكره في كل وقت وحين؛ وإما الابتلاء والضيق إن غفل العبد عن ربه وأخذته السّهوة في دوامتها حين يلبس ثوب الرخاء والبسط وينسي المسبب الأول الذي وهبه بحبوحة العيش ورغده، وسوى له بعد الخلق جسدا صحيحا وأذهب سقمه، فيقيده الله بسلاسل الامتحان ليُقبل عليه ويقر بضعفه واحتياجه وافتقاره وعوزه. وفي هذا قال ابن عطاء الله السكندري «من لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان».
هذه التربية الربانية هي التي نرى لها أثرا في دنيانا والتي تمثلت في هذا المفهوم: فمن يُقبل على الله راغبا في نيل الإحسان ومطيعا محبا طامعا في فضله وكرمه، ليس كمن يعود إلى الله بعد نزول البلاء الذي قد يكون نوعا من الامتحان - إن هو لم يجاهد في كبح جماح نفسه لتنقاد لأوامر الله رغم ملاطفات اللطيف التي هي شتى-. فيصبح كمن يُساق بسلاسل الابتلاء إلى طاعة صاحب العزة والكبرياء.

بقلم رشيد أمديون

مدون مغربي مهتم بالشعر والأدب العربي والصوفي، وبالموروث الثقافي للأمة الاسلامية. مشرف على مجموعة لغة الضاد بين الاهتمام والتحدي، وعضو في مبادرة أمة اقرأ تقرأ.
من مدوناته: همسات الروح والخاطر - أضواء على العالم.

3 التعليقات:

بسم الله وبعد
اللهم إجعنا إليك مقبلين غير مدبرين
اللهم إنا نحمدك ونشكرك على كل حال
بوركت أخانا في الله رشيد على ما طرحت

تحياتنا وتقديرنا واحترامنا لك ولقلمك
مـ أحلام ـازن

السلام عليكم ...

جزاك الله أستاذ رشبد ..وجعله في ميزان حسناتك .

أخي مازن، أختي ولاء.
أشكركما على تعليقكما.
حياكما الله

إرسال تعليق

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More