الجمعة، 15 يونيو، 2012

نشوة البداية وعهر النهاية

غائمة هي سماؤك منذ رحل تاركا في أرض اشتياقك بذرة أمل لم تَنْمُ.
لم يمنعكِ كبرياؤك المارق من التمسح بذات الجدار، تسحبين الخطى مجهدة، كمن أنهكتها الهزيمة. النظرات منك تختلس ما يُمتِع شهوة الذكرى في عمقك، فتمتزج ببعض الحنق. تمتح ما يروي صحراء إحساسك العطشانة لضمته العتيقة الغابرة... لم تُنسك الأيام دفئه رغم تنقلك بين الأحضان كمحطات الحياة.
نعم هو الجدار نفسه، حيث كان يُسند إليه ظهره عند كل لقاء مختلس، تقابلينه وتهبين له ما خبأت بين جناحيك من ود طافح، أو ما طاب به سخاء شفاهك من بسمات حارقة لكيانه الصبور..
كان يمجدك بقول يذيب فؤادك، وكأنه يمنحك مركبة خيال، تعرجين بها إلى السماء، تلمسين الثريا، تخلصين إلى المثل الأفلاطونية... وهناك ذات يوم نسيت ذاتك فانتزع التمرة المشتهاة.
ما كنت تفتحين عيونك حين كان يرتل حديثه الشبيه بتغريد العندليب، وما كان جسدك يقوى على الوقوف لولا أنك تصمدين وتقاومين في إصرار، فتستمدين شحنة النشوة من همسه المفعم الباذخ لتعود إليك لذتها في خلوتك مساءً حين يصفو حولك المحيط وتسكن حركات الجميع.
هكذا أنت اليوم، بيت مهجور، هيكل لم يعد فيه للإحساس أثر، ذبل الزهر من ربوتك حتى صار القفر أجمل. وهذا الخواء والفراغ صار عنوانك في كل ميدان. تتعطرين بأغلى العطور تُسْجفين خَنزك الباغي، تنتقمين من جمالك بأحمر شفاه خسيس، تبيعين الهوى تحت جناح السواد، وتسلكين سبل الهلاك بعد زلة قدم ما ثبتت على أرض صادقة. تلاحقك النظرات والإشارات وأشباه رجال يسيل لعابهم، يستهويهم خنزك المعطر بذوق مفتعل. ويبتلعك الطريق مانحا إيّاك لعنة العهر التي تسخر منك عند انقضاء كل ليلة تافهة.

14/06/2012

بقلم رشيد أمديون

مدون مغربي مهتم بالشعر والأدب العربي والصوفي، وبالموروث الثقافي للأمة الاسلامية. مشرف على مجموعة لغة الضاد بين الاهتمام والتحدي، وعضو في مبادرة أمة اقرأ تقرأ.

2 التعليقات:

جميلة سي رشيد مرة أخرى تتواصل الأرواح...
وهل يفسد العطر ما أفسدة الدر ...بين الشرف و العهر خيط رقيق جدا...و الكيسة من تنتبه لهذه الرقة..
تحياتي

شكرا لك أستاذ محمد. هذا الواقع للأسف، ولا يصلح العطر ما أفسد...

إرسال تعليق

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More