السبت، 14 يناير، 2012

شمس الحرية




الجمعة، 13 يناير، 2012

المِشْكَاة

لم يغمض لها جفن، باتت تتقلب على فراشها حتى انبلج الصبح، ونفذ إلى الغرفة بصيص ضوء.
هزت رأسها مرتبكة ونهضت تلملم ما تَشَّعثَ من هندامها، وقد بدا بيتها مغبرا مبعثرا يتطلب ساعات لكنسه وتوضيبه، أما خارجه، فركام العناء ينتظرها ولا من يعين، والطفلة التي سَيعوَّل عليها وقت الشدة، ما زالت صغيرة بريئة، تستبطئ نومها وتغالب ثقل محفظة كتبها المقررة، وتتيه مع بنات الجيران بين ضيق الزقاقات للعبة الاختباء.
لعلها تتذكر سذاجة ماضيها الجميل وسط تفاصيل الدوار الغابرة؟
غير أن أنفاس الطفولة قد غابت وراء شيب بدأ يغزو ملامحها في استفزاز، وتجاعيد غائرة خطت وديانها كلوحة فنية عبثت بها أنامل طيش عنيدة.
فتحت الباب البرانى فتسلل النسيم بارداً منعشاً، و بدَا لها أن الجو صاف قد يمهلها حتى تنشر غسيلها على حبل مشدود يتوسط شجرتين وارفتين..
شمّرت عن ساعديها وشدت من مئزرها، وأسرعت إلى الإسطبل المتواري خلف الدار تريد حلب بقرتها وغلي ما أغدقت به من حليب عجنت الخبز وسقت الماء من دلو بئر قريب، ولم تنس أن تغطي القدح المملوء بكريات زبدة بلدية، أيقظت أبناءها من سباتهم، فالنهار قصير قد يدركها الموعد إن تلكأت أو تراكم عليها شقاء المنزل..
وحيدة كانت، لكنها تملأ فناء الدار بحركاتها الدؤوبة، في حين مازالت جارتها تغط في شخير عميق، فبابها مازال موارباً ولا حركة تدب في ردهة البيت، ولا أصوات لشيطنة أطفالها ومشاكساتهم..
ـ " ما للآباء لا ينظمون لأبنائهم أوقات مشاهدة التلفزة؟"
خطرت في ذهنها فكرة أن تطرق الباب لتشجعها على النهوض خشية على أبنائها من ضياع وقت الدرس، لكنها تراجعت وخافت أن تبدو فضولية إذا لم تفهمها الجارة النائمة..
كتمت غيظها وانغمست في شؤونها اللامنتهية..
كانت إذا توجهت إلى الحي، تتوارى عن أعين الفضوليين الذين ينتشرون على قارعة الإسفلت، تكاد تمرق أعينهم من محاجرها وهم يتطلعون بنظرهم إلى المارة جيئةً وذهاباً، هذا إن حال حائل دون إطلاق همزهم ولمزهم البذيء، لكنها لم تعر يوما أي اهتمام لما تسمعه أو تتلقفه صدفة من لغط وهمس، تخفض بصرها حياء وخوفا، وتلوذ بالصمت، ثم تواصل طريقها بخطوات ثابتة رصينة، وقد غطت رأسها وأدنت عليها من لباسها احتشاماً وعفة.
كانت تحمل على عاتقها هماً كبيراً، تكاد تجعله مقدسا وتحاول جاهدة تحقيقه..
تذكر حينما ولجت لأول مرة باب الجمعية..
بيدها المرتعشة ألقت السلام على أقرانها ممن أتين قبلها، سحبت إحدى الكراسي وجلست إلى الطاولة الأخيرة، خجولة ومرتبكة، كأنها تقتحم غمار تجربة لا مفر من صعوبتها، تمعنت مليا في إحدى السطور على السبورة وكيف لأنامل رقيقة أن تأخذ الطَباشير وتخط به تاريخ اليوم بسهولة، وكيف لمادة بيضاء أن تترك مسارهَا ناصعا على سواد الخشب، وكيف للألف واقفة كعمود شامخ والباء مستلقية، والجيم والحاء ملتويتا الساق أن بكونوا كلمة كاسمي مثلا!
قالت المعلمة وقد انتهت من الكتابة:
ـ" عندنا اليوم حصة القرآن الكريم ... من منكن حفظت سورة النصر؟..
أنتي آلحاجة .....يالله .... بسم الله ..."
تململت المرأة في مكانها، تنحنحت ووقفت بجلبابها الفاتح المطرز وحجابها الساطع كَبِلور، بدأت تستظهر تارة بطلاقة، وتارة تتأتئ حتى أنهت الآية.
ـ" ليس العيب أن أتعلم، العيب هو الجهل..
سوف أضمد جرح جهلي ما استطعت.."
أخذت الطبشور، وانحنت في إصرار على لوحتها تخدش حروف النور الأولى..
ابتسمت، وهي تحدق في اللوحة وتتهجى الحروف المرسومة بشوق ولهفة:
" المــ....ـشـ... ـكــا....ة ".


بقلم:  حيمد الراتي

http://www.almihlaj.net/filemanager.php?action=image&id=1865شاب مغربي من مدينة سوق الأربعاء الغرب مبدع في القصة القصيرة. مدونته: منتدى الغربة
من إبداعاته: طيف ملاكي
له مجموعة قصصية بعنوان: تنوء بحلمهم - سترى النور قريبا.

الخميس، 12 يناير، 2012

زهرة

فيا زهرة في الربا دمرتني

ويا قصة عاندت فيها القدر

مالي سئمت كتابي إليك

وحرضت كل اشتياقي عليك

ودمرت كل زجاج المرايا

ومزقت أيضا كل الصور



أحيانا ترقص لي الدنيا

أرسم أحلاما باللون الأخضر

لكن زماني يدميني

يطليها دوما باللون الأحمر

الأربعاء، 11 يناير، 2012

جثة هامدة..

قبل اليوم، وبعد قصيدة مطفأة كسيجارة ملعونة، اعتقد أنه لن يخرج سالما من نشاز زنزانته إلاّ إلى ثلاجة باردة تشبه أحلامه الموءودة،
معتقدا بعد زلة من عطالته المقرفة أنه تائه عبر فتيل الخسارات بلا عنوان قد يربك نظرة الحياة البئيسة التي تمتلك سراب مستقبله الخامد..
للتو تأكد أنه فعلا يقتسم رفقة مدينته المالحة عشب النسيان وعجب الإهمال.
يحدث كل ليلة أن يجالس مندهشا، بعد فنجان من سواد قهوته، جثة تشبه ذاكرته المتداخلة، جثة تفضحه خلسة أمام صمت صراخه، وتلمس وليمة وحدته الأخيرة التي فاح نتنها مراسيم القحط، جثة تتربص به أن يطارحها حماقاته وعريه المبلل على مرأى ومسمع من أجهزة التنصت البوليسية، جثة مخضبة بشجن الكلمات تبقيه هكذا مفجوعا رماديا إلى آخر الاشتعال.
27 ذو الحجة 1432

بقلم:  حيمد الراتي

http://www.almihlaj.net/filemanager.php?action=image&id=1865شاب مغربي من مدينة سوق الأربعاء الغرب مبدع في القصة القصيرة. مدونته: منتدى الغربة
من إبداعاته: طيف ملاكي
له مجموعة قصصية بعنوان: تنوء بحلمهم - سترى النور قريبا.

الثلاثاء، 10 يناير، 2012

جسر عبور

بعد عودتها ليلاً من جسر الكلمات وتعب غواية العمل، إلى أول خطوة مفرطة في البُعْد، تصلها بذكرياتها الدفينة تحت غطاء فِراش دافئ.
هاتفته مبللة البوح، حَذِرة من اكتشاف حارس العمارة، خُدعة شهقتها المتقدة، وكأنها تود بمفاجأتها أن تحتل جلّ قلاعه الغارقة بين مؤامرات الغيوم وهُدأة اللاشيء، قائلة:
ـ دعني أخمن ما تفعله الآن..؟! لربما تخلع قفازات صمتك كي تبدأ ممارسة طقوسك الملتاعة، أليس كذلك أيها المجنون؟!
رد مرتبكا دون أن يرتب ربطة عنق بوحه:
ـ مساء مطر وغيرة أضواء خافتة، نعم..، للتو ولجت كهفيّ المهووس، مجازفاً أن لا أعود مني إلى شحِّ الصمت، أشعلت فانوس حرائقي كي أعيش متربصاً بالحياة، أعيش كي أكتب ما أخاف أن أفتقده بعد عُمْر تكاد تختلسه فوهات رصاص طائش، أو تودي به المصادفة عبثاً إلى مراسيم النسيان، صدقيني، المبدع منتحر ياباني بطبعه.
هَمْهَمتْ وكأنها تأخذ نفساً عميقا:
ـ سأضعكَ الآن في جيب معطفي، ريثما أغلق عنّا باب العمارة، ونتسلق معا سُلم العبور إلى رقصات الطفولة بعد حين.



25 ذو الحجة 1432

بقلم:  حيمد الراتي

http://www.almihlaj.net/filemanager.php?action=image&id=1865شاب مغربي من مدينة سوق الأربعاء الغرب مبدع في القصة القصيرة. مدونته: منتدى الغربة
من إبداعاته: طيف ملاكي
له مجموعة قصصية بعنوان: تنوء بحلمهم - سترى النور قريبا.

الاثنين، 9 يناير، 2012

أواه ياصمتي

إني تعبت من الإذعان تعبت من الإنصات

سأبوح بما فوق لساني من كلمات

وسأصف الزهرة والليل

وأمارس حبا فوق الشطآن

وسألصق جسدي بصخور

تمتزج قوايا بقواها

وتذوب صخور من شفتي

وأطير أنا فوق سماها

علمني جسدك أن أنطق آه

فصرخت بآلاف الآهات

لم ألمس قبلك أوتارا

فعزفت بجسدك أجمل نغمات

تتساقط من ظهري كلمات

تشعرني أني وبصمتي

قد خضت حروبا ومعارك

لا ألقى منك مقاومة

لا ألقى إلا استسلام

ألقيت بجسدي بجوارك

ونسيت زماني ومكاني

ونظرت لأعلى بعيوني

فوجدت سماء مشرقة

قد شهدت سيفي فأرادت

أن أغزو كل الوديان

تلك الوديان الصامتة

أجعلها تطلق صرخات

وتعيش المتعة كاملة

فجميع شهوري نيسان

ويعود الصمت ليقتلني

ويرمل آلاف الوديان.


26 ذو الحجة 1432

الأحد، 8 يناير، 2012

بثينة

يا طارقَ الحب على باب الصدور
بثينة افتحي، فمحياكِ مرعى الحبور

لحظك للجمال ينبض والمهج تمور
وللسماءِ منك الضياء، وللزهر العطور

 الإثنين 25 ذو الحجة 1432/ الساعة 22:02


بقلم رشيد أمديون

مدون مغربي مهتم بالشعر والأدب العربي والصوفي، وبالموروث الثقافي للأمة الاسلامية. مشرف على مجموعة لغة الضاد بين الاهتمام والتحدي، وعضو في مبادرة أمة اقرأ تقرأ.

من مدوناته: همسات الروح والخاطر - أضواء على العالم.

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More