الاثنين، 15 أكتوبر، 2012

قتيل الأضحية

أنِفَ عيشته، أب مسكين، أيام العمل الطِوال باتت سُويْعات عنده. استحكمت عليه التقاليد، دارت عليه الدوائر، و نزلت به النّوائب، حطّت شراعها بشاطئه، و لم يلق للأمر بال... كل مرة يفتح ذاتَ الدرج بجانب سريره، و لو أنّ قولة "سرير" دخيلة عليه، فما هي إلاّ بِضع خشبات مرصوصات بمسامير من صنع يده. كما العادة يعيد حساب النّقود، أ استوفت ثمن الأضحية، أم بقي من الأمر شيء...ألعاب أطفال، دمى باربي مقطوعة الأطراف و ساعات مستعملة، تلك بضاعته..بضاعة مُزْجاهْ.

قرّر سعيد أن يكثّف أوقات عمله، فبكّر، فالعيد أزف، دنا و تدلّى.
كَمْكَمَ عيوب دماه بغِراءٍ من سكّر صنعته زوجته، و أزال ما كان من عَجَاج على ساعاته. وضع فرْشا على الأرض و سَتّفَ بضاعته البائسة، هو حريص على مكانه المخصّص بالقرب من باب المسجد أين ألِفه النّاس. مضى الوقت و لم يبع شيئا، أذّن مؤذّن... فَثَمَّ الكثير من المؤّذِنِينْ، و هذا مؤذّن لصلاة الظّهر، دعا لقيطًا كان هو الآخر يجهّز مكانه الخاص للشّحاذة كي يحرس له "الفرشة"، صلّى  الظهر في جماعة... أتمّها وخرج بسرعة، لم يصلّ النافلة هذا اليوم كي يسبق من حضر الصلاة للخارج. بدأ ينادي بأعلى صوته :

"
ألعاب أطفال ،دمى باربي، من يشتري ثِنْتانِ ..ثالثة بالمجّان"

"
ساعات مستعملة، اغتنموا الفرصة، لديّ ما لا عين رأت"

سعيد يتفنّن في وصف سلعته و نسج العبارات عساه يلقى مصغٍ يقتني من عنده، و يخلّصه من بعض بضاعته. يومه هكذا متواصل، يتخلّله وقت صلاة، رغم ذلك لم يرعَ أحد اهتماما بسلعته، بالكادِ باع ساعة مستعملة بثمن بخس دراهمَ معدودات، مع أوّل همسات اللّيل استشاط غضبا، و رجع للبيت متجهّم الوجه، فتحت له زوجته الباب سائلة :أ من جديد ؟ ردّ عليها :لا جديد ! بدأت الزوجة تصرخ عالمها ،و سعيد يتلقّف الكلام من فمها فهي نفس الأسطوانة الدوّارة على جهاز الفونوغراف، لم يتعشّ، فقد استحوذت الكآبة و أخذ الحزن منه خلاقا و بلغ مبلغه، اسودّت جدران الغرفة في عينيه ،رمى نفسه على السّرير وهو يفكّر.
دخل منتصف اللّيل و سعيد مازال يخطّط، فقدْ فقدَ الأمل في سُبُلِ عيْشه المتواضعة، أخذ منه الشّيطان ملعبا، دخل المطبخ خٌلسةً يمشي الهُوَيْنَا على أصابع قدميه، أخفى سكّينا في ثيابه و انصرف.

راح يجوب الطرقات و الأزقة، مرّ من زقاق ضيّق بالآجور الأحمر، إذ به يلمح سكّيرا مُنْزَوِ هناك، هدّده بالسّكين إن لم يُلقِ أمامه ما بحوزته، نفذ صبره وواصل التهديد بلهجة أشدّ، دخلت الرّيبة قلب السّكير فأخرج له ما حوت جيوبه من نقود، تناولها و قد فرح بها، وجد غنيمة تكفيه لشراء الأضحية و زيادة، استدار ثم خطا خطوات، من شدّة فرحه لم ينتبه للسّكير، فاجأه بقنّينة الخمر على رأسه، أُلقي سعيد أرضًا، فقد أصيب بنزيف حاد، و في غفلة لاذ السكّير بالفرار من روْع ما رآه ...
سعيد في الزّقاق يلفظ آخر أنفاسه و هو يتمتم "ا. ف. ر. ل. يَ. لَّهْ"

الأحد، 14 أكتوبر، 2012

عُيون لا تنام

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More